ميزانية بلا بوصلة:  غياب سياسة اقتصادية متماسكة

يتضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027 جملة من

الإجراءات، لكنه لا يقدم، بصورة واضحة ومترابطة، ملامح سياسة اقتصادية متكاملة. فالمشكل لا يكمن في نقص التدابير، بل في غياب الرؤية التي تجمع بينها وتحدد أهدافها وأولوياتها. ويتجلى هذا الغياب في ثلاثة أوجه أساسية.

ثلاثة أوجه من التشتت يعزز بعضها بعضًا

أولًا، تشتت الأهداف. تسعى الإجراءات، في الوقت نفسه، إلى تحفيز الاستثمار، وتعبئة الموارد الجبائية، والحد من بعض التكاليف، ودعم فئات معينة، من دون توضيح المفاضلات بين هذه الأهداف أو تحديد أولوياتها.

ثانيًا، تشتت الأدوات. تتعاقب الإعفاءات الجبائية والضرائب والدعم وخطوط التمويل الميسّر وتحمّل الدولة للديون، من دون أن تتضح كيفية تكامل هذه الأدوات أو كلفتها الجملية. وهو ما يحول دون تكوين صورة شاملة عن الأعباء المالية المترتبة عنها.

ثالثًا، غياب الرؤية متعددة السنوات.** لا تبدو التدابير السنوية، في كثير من الأحيان، مندرجة ضمن مسار اقتصادي واضح ومتعدد السنوات، يستند إلى أهداف مستقرة والتزامات قابلة للتقييم.

وتغذي هذه الاختلالات بعضها بعضًا: فحين تغيب الأولويات الواضحة، يجري اللجوء إلى الأدوات المتاحة بدل اختيار الأدوات الأنسب؛ وحين يغيب التنسيق بين هذه الأدوات، يصعب تقييم نجاعتها؛ أما في غياب رؤية متعددة السنوات، فتتكرر الإجراءات من سنة إلى أخرى من دون ضمان تراكم نتائجها.

إجراءات جبائية وقطاعية من دون ترتيب واضح للأولويات

يجمع المشروع بين إعفاءات جبائية لفئات محددة والترفيع في بعض الضرائب والمعاليم. ومن ذلك الترفيع في المعلوم الموظف على السفر إلى الخارج من 60 إلى 80 دينارًا، وفي نسبة المعاليم الموظفة على الألعاب والمسابقات من 40% إلى 60%، مقابل إعفاء بعض المؤسسات الجديدة من الأداء على الشركات.

أما دعم المؤسسات، فيمر عبر خطوط تمويل مخصصة للشركات الناشئة بقيمة 10 ملايين دينار، وللمؤسسات التي لم يتجاوز عمرها ثلاث سنوات بقيمة 10 ملايين دينار، وللطلبة والخريجين بقيمة 5 ملايين دينار، إلى جانب تخصيص 20 مليون دينار لتمويلات دون فوائض لفائدة الفئات محدودة الدخل.

غير أن هذه المبالغ تبدو محدودة إذا ما قورنت بهدف تحقيق نمو بنسبة 8% في الصادرات. فبلوغ هذا الهدف لا يتوقف على توفير التمويل وحده، بل يتطلب أيضًا تحسين القدرة التنافسية للمؤسسات، وتطوير الإنتاج، وتيسير النفاذ إلى الأسواق الخارجية.

وفي القطاع الفلاحي، خُصصت اعتمادات بقيمة 40 مليون دينار لدعم القطيع، و100 مليون دينار لفائدة صغار الفلاحين والتعاونيات الناشطة في قطاع الزيتون. وقد تساعد هذه التدخلات على تخفيف بعض الضغوط، لكنها لا تكفي وحدها لمعالجة الإشكاليات الهيكلية التي يواجهها القطاع، من ندرة المياه والتغيرات المناخية إلى ارتفاع كلفة المدخلات وضعف طاقات التخزين.

أما في ما يتعلق بقطاع المياه، الذي يرتبط مباشرة بالأمن الغذائي واستدامة النشاط الاقتصادي، فلا تبدو الاستثمارات الهيكلية الموجهة إليه متناسبة مع حجم المخاطر والتحديات المطروحة.

آليات لم تثبت نجاعتها بعد

يمثل ملف الشركات الأهلية مثالًا واضحًا على الفجوة بين الإعلان عن المبادرات وتحقيق النتائج على أرض الواقع. فوفق الأرقام الواردة، تم إحصاء 791 مبادرة، أفضت إلى إحداث 230 شركة أهلية، لم تحصل على التمويل منها سوى 75 شركة، في حين دخلت 60 شركة فقط مرحلة النشاط الفعلي، مع توفير نحو 380 موطن شغل. تكشف هذه الأرقام أن المسافة لا تزال طويلة بين إطلاق المبادرات وتحويلها إلى أنشطة اقتصادية قادرة على الاستمرار وخلق مواطن الشغل. ومع ذلك، يقترح المشروع تخصيص اعتمادات إضافية بقيمة 35 مليون دينار لهذا البرنامج، رغم أن مجموع الاعتمادات السابقة تجاوز 95 مليون دينار.

في مثل هذه الحالة، تقتضي الأولوية إجراء تقييم جدي للجدوى الاقتصادية لهذه الشركات، وقدرتها على تحقيق المداخيل وتسديد القروض، قبل ضخ تمويلات جديدة. وإلا، فإن استمرار التمويل من دون تقييم قد ينقل المخاطر المالية إلى البنك التونسي للتضامن (BTS) والبنك التونسي للتضامن المالي للمؤسسات الصغرى والمتوسطة (BFPME)، بما قد يزيد من الضغوط على المؤسستين.

وتبرز الإشكالية نفسها في الفصل 66 المتعلق بالتجارة الإلكترونية، الذي ينص على اعتماد قوائم اسمية دورية تحيلها شركات التوصيل والمنصات الإلكترونية، مع إقرار عقوبات في حال الإخلال بالالتزامات.

إن إدماج الأنشطة الناشطة في الاقتصاد الموازي ضمن الدورة الاقتصادية المنظمة هدف مشروع، لكن تحقيقه بصورة مستدامة لا يمر بمجرد تكثيف الرقابة أو فرض العقوبات. بل يتطلب ضمانات واضحة لحماية المعطيات الشخصية، وتحديد المسؤوليات بدقة، وإتاحة آجال لتصحيح الأخطاء، وتبسيط إجراءات الانخراط في المنظومة الاقتصادية المنظمة.

فكلما كانت إجراءات الامتثال أبسط وأقل كلفة، زادت فرص استقطاب الناشطين في الاقتصاد الموازي نحو القطاع المنظم، بدل دفعهم إلى مزيد من التحفظ أو التهرب من الالتزامات الجبائية.

الطاقة الشمسية والمؤسسات العمومية: وجهان للمشكلة نفسها

تكشف التغييرات التي طالت النظام الديواني للألواح الكهروضوئية عن اضطراب الإشارات الموجهة إلى المستثمرين. فقد ارتفعت نسبة المعاليم الديوانية من 10% إلى 30%، قبل أن تعود إلى 10% سنة 2027، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن استقرار القواعد المنظمة للاستثمار في قطاع يفترض أن يكون من ركائز الانتقال الطاقي. ويثير النظام الديواني للبطاريات إشكالًا إضافيًا. فمنح امتيازات للمدخلات المنتجة محليًا، بالتوازي مع تيسير توريد المنتجات النهائية، قد يسهم في خفض كلفة التجهيزات وتسهيل النفاذ إليها، لكنه قد يقلص، في المقابل، القدرة التنافسية للمنتجين التونسيين.

إن التوفيق بين خفض التكاليف، وتسريع الانتقال إلى الطاقات المتجددة، وبناء نسيج صناعي محلي قادر على المنافسة، لا يمكن أن يتحقق عبر تعديلات متفرقة في المعاليم الديوانية. بل يتطلب مسارًا معلنًا ومستقرًا، وقواعد واضحة، وأهدافًا قابلة للقياس تشمل نسبة انتشار التجهيزات الشمسية، وحجم القيمة المضافة المحلية، ومواطن الشغل المستحدثة، والقدرة التصديرية للقطاع.

أما بالنسبة إلى المؤسسات العمومية، فإن تحمّل الدولة لديون مستحقة لفائدة الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية (CNRPS)، إلى جانب إلغاء بعض الديون الجبائية، من شأنه أن يخفف الضغوط المالية المباشرة عن هذه المؤسسات. لكنه ينقل، في المقابل، العبء إلى خزينة الدولة، من دون أن يعالج بالضرورة الأسباب الهيكلية للأزمة، وفي مقدمتها إشكاليات الحوكمة والإنتاجية وارتفاع كلفة النشاط. وهنا تتكرر المعادلة ذاتها: تدخل مالي يخفف الضغوط الآنية، لكنه لا يعالج أصل المشكلة. فمن دون إصلاحات هيكلية، قد تتحول هذه التدخلات الاستثنائية إلى آلية دائمة لتغطية الخسائر، على حساب الموارد العمومية التي يفترض توجيهها إلى الاستثمار والتنمية.

ما الذي تحتاج إليه تونس فعلًا؟

لا تحتاج تونس إلى قائمة جديدة من الإجراءات بقدر حاجتها إلى سياسة اقتصادية واضحة، تحدد الأولويات وتضبط العلاقة بين الأهداف والوسائل. ويتطلب ذلك، في المقام الأول، حسم الخيارات الاقتصادية الأساسية، وتوضيح كيفية التوفيق بين تحفيز الاستثمار وتعبئة الموارد الجبائية وحماية الفئات الهشة، بدل التعامل مع هذه الأهداف وكأنها متوافقة تلقائيًا.

كما يستوجب الأمر احتساب الكلفة الجملية لمختلف الأدوات المالية والجبائية ضمن إطار موحد، حتى تتضح انعكاساتها على ميزانية الدولة وقدرتها على تمويل التزاماتها. ولا يقل أهمية عن ذلك وضع رؤية اقتصادية متعددة السنوات، تندرج ضمنها قوانين المالية السنوية، وتُقاس على أساسها النتائج الفعلية للسياسات المعتمدة.

ويظل استقرار المنظومة الجبائية شرطًا أساسيًا لبناء الثقة لدى المستثمرين، مثلما يمثل تقييم البرامج وفق نتائج قابلة للقياس ضرورة لضمان حسن التصرف في المال العام. ويضاف إلى ذلك وجوب نشر النصوص التطبيقية في آجال واضحة، حتى لا تبقى الإجراءات المعلنة حبيسة النصوص أو رهينة التأخير والغموض.

والأهم من كل ذلك أن تتحول الميزانية إلى أداة لقيادة التحول الإنتاجي في البلاد، لا مجرد تجميع لتدخلات متفرقة تستجيب لضغوط ظرفية أو تعالج أزمات متعاقبة. فالمشكل ليس في غياب الإجراءات، بل في غياب الرؤية التي تمنحها معنى اقتصاديًا متكاملًا. ومن دون ترتيب واضح للأولويات، وتنسيق بين الأدوات، واستقرار في التوجهات، وتقييم جدي للنتائج، لن تكون سنة 2027 محطة للانتقال نحو الإصلاح بقدر ما ستكون سنة أخرى تضاف إلى سلسلة من التدخلات الظرفية التي تؤجل معالجة الاختلالات بدل تجاوزها.

بقلم: شكيب بن مصطفى

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115